مقاعد الكوتا هي حدٌّ أدنى، وليست هدفًا

11/13/20251 دقيقة قراءة

كما يحدث بعد كل انتخابات في العراق أو في إقليم كردستان، ترتفع أصوات كثيرة تندد باستغلال المقاعد المخصصة للكوتا المسيحية، وكذلك غيرها من أنظمة الكوتا، من قبل الأحزاب السياسية.

تقوم الفكرة الأساسية لهذه الانتقادات على مبدأ واحد، وهو أن الناخبين المسيحيين وحدهم يجب أن يتمكنوا من التصويت لمرشحين مسيحيين في البرلمان العراقي. ويُستند في ذلك إلى أن الأغلبية غير المسيحية، وبسبب تفوقها العددي، هي التي تحدد فعلياً نتائج الانتخابات المخصصة لتمثيل المكون المسيحي، مما يحرم هذا المكون من تمثيل عادل داخل المؤسسات التشريعية.

تبدو هذه الفكرة منطقية، ولا أنكر أنها تحمل جانباً من الصواب، لأن الناخبين من غير المسيحيين يؤثرون بالفعل على نتائج الانتخابات. لكن من الضروري أن نفهم ما تعنيه الكوتا فعلاً، وما هي الفكرة التي تقوم عليها. فالكوتا لا تعني وجود ممثلين حصريين لمكوّن معين من السكان، بل هي ضمانة لوجود هذا المكون في البرلمان.

ولفهم ذلك بشكل أوضح، يمكن مقارنة الكوتا الدينية أو القومية بنظام الكوتا النسائية المنصوص عليه أيضاً في قانون الانتخابات، والذي يفرض أن تكون نسبة النساء في البرلمان لا تقل عن 25%، وتصل إلى 40% في برلمان إقليم كردستان العراق. ومع ذلك، تبقى هذه النسبة حداً أدنى فقط، إذ لا شيء يمنع أن تصل نسبة النساء إلى 50% أو حتى 80% من مجموع النواب. فهل يعني ذلك أن النساء فقط يجب أن يصوتن للنساء؟ أو أن النساء لا يمثلن إلا النساء العراقيات؟ أو أن الرجل لا ينبغي أن يصوّت لامرأة إذا كانت هي مرشحته المفضلة؟ بالطبع لا، فمثل هذا المنطق يبدو غير معقول.

يجب أن تسري الفكرة نفسها على الكوتا المسيحية. فالقانون يضمن وجود خمسة نواب مسيحيين في البرلمان على الأقل، مهما كانت نتائج الانتخابات. ولا يوجد ما يمنع أن يكون عددهم عشرة أو حتى خمسين نائباً. لذلك يجب علينا أن نعيد النظر في طريقة فهمنا لمفهوم الكوتا وطبيعة طموحاتنا السياسية. سيكون من غير المنطقي أن نحصر طموحنا في خمسة مقاعد رمزية فقط من أصل أكثر من ثلاثمائة نائب في البرلمان. فنحن لسنا مستشارين هامشيين نشارك في إدارة دولة لا نملك فيها دوراً حقيقياً، ولسنا أفراداً من جماعة معزولة تعيش في فقاعة جغرافية أو اجتماعية لا تخرج منها أبداً.

على العكس من ذلك، نحن أصحاب حق وشرعية في جميع المستويات والمناصب والمؤسسات العامة، مثل أي مواطن آخر، على أساس الكفاءة والخبرة. فلماذا لا تكون طموحاتنا أكبر من مجرد خمسة مقاعد؟

يجب أن نتذكر أن المهمة الأساسية للنائب في البرلمان هي التصويت على القوانين، وهذه القوانين تُطبّق على جميع العراقيين دون استثناء. ومعنى ذلك أن الجزء الأكبر من عمل النائب، مهما كان انتماؤه القومي أو الديني، يخدم المصلحة العامة.

ومن هذا المنطلق، يبدو من الطبيعي أن يكون لجميع الناخبين الحق في اختيار المرشحين المسيحيين إذا رأوا أنهم الأنسب، والعكس كذلك.

تكمن المشكلة الحقيقية في أن الأحزاب السياسية استغلت هذا النظام لاختيار مرشحين تابعين لها، بحيث تستفيد من الضمان الذي يوفره نظام الكوتا لتوسيع حجم كتلها البرلمانية، بشكل مباشر أو غير مباشر.

وكما هو الحال في أي نظام انتخابي، لا يوجد قانون مثالي بالكامل. فكل قانون يحتوي على ثغرات تستغلها القوى السياسية لتحقيق مكاسب انتخابية. وهذه الاستراتيجيات جزء طبيعي من الممارسة الديمقراطية البرلمانية في أي مكان، ولا تمثل في حد ذاتها مشكلة جديدة.

السؤال الحقيقي إذن ليس عمّا إذا كان النائب يمثل فئة محددة من السكان. ففي كل دول العالم، النائب يمثل من الناحية النظرية فقط من صوّت له، هذا إن صحّ القول. السؤال الأهم هو: ما طبيعة طموحاتنا؟ وكيف نتصور مشاركتنا في الحياة السياسية العراقية؟

هناك مؤسسات تمثيلية أخرى، ومراكز نفوذ وأدوات للتعبير قد تكون أكثر فاعلية للدفاع عن خصوصية المكوّن المسيحي أو الكلداني الآشوري السرياني، وكذلك عن حقوق بقية المكونات. فالبرلمان ليس سوى وسيلة واحدة من وسائل العمل السياسي.

وأخيراً، فيما يتعلق بمسألة تنظيم التصويت، يمكن التفكير في حلول متعددة. أحدها هو تقييد التصويت ليس على أساس الانتماء الديني أو القومي، بل على أساس المحافظات. هذا قد يقلل من تأثير التصويت القائم على التلاعب. أما الخيار الآخر، الذي يمكننا تطبيقه دون الحاجة إلى تعديل القوانين، فهو تطوير استراتيجيتنا الانتخابية، سواء على مستوى المجتمع المسيحي نفسه أو على المستوى الوطني الأشمل، كمواطنين متساوين الطموح في بناء وطن أفضل للجميع. علينا أن نفكر في الترشيحات خارج الأطر الدينية والقومية، وهذه الفكرة تنطبق على جميع العراقيين. فبجهودنا المشتركة وحدها يمكننا المضي نحو مستقبل أفضل.