لسنا منقسمين، نحن متنوّعون
1/31/20261 دقيقة قراءة


إن هذا الاختيار البسيط في المفردات يصنع كل الفارق، متى ما قبلنا فهمه على حقيقته. لقد ظلت الجماعة الآشورية الكلدانية السريانية تناقش منذ عقود، وربما منذ زمن أطول، مسألة هويتها ووحدتها وانتمائها. أسمع هذه النقاشات التي لا تنتهي ولا تفضي إلى نتيجة، والتي لا تؤدي إلا إلى تغذية مشاعر الاستياء تجاه الآخر، بدل الوصول إلى أي مخرج عملي أو مفيد. لقد حان الوقت لوضع حدّ لهذا المسار.
ولفعل ذلك، لا بد أولًا من فهم السياق الذي نشأ فيه هذا الجدل المستتر. إن سكاننا أو مجموعتنا الإثنية ينحدرون من شعوب قديمة ناطقة بالآرامية، عاشت في بلاد ما بين النهرين قبل المسيحية. وهذه الرقعة الجغرافية كانت ولا تزال وستبقى موضع أطماع وغزوات، وللأسف عنف متكرر، بسبب تاريخها وموقعها ومواردها الاستراتيجية على المستوى العالمي.
من الثابت تاريخيًا أننا ننحدر اليوم من شعوب آشورية وبابلية وكلدانية حكمت المنطقة في فترات معينة. ولا أرى حاجة للتوسع في هذا الجانب، إذ إن باحثين أكثر كفاءة مني كتبوا بإسهاب عن تاريخنا، ويمكن الرجوع إلى أعمالهم لفهمه بالتفصيل. فهذه ليست القضية المطروحة اليوم. لكن من المهم التذكير بأن جزءًا كبيرًا من هذه الشعوب اعتنق الإسلام وتعرّب على مرّ القرون، ما يقودنا منطقيًا إلى الاعتقاد بأنه من منظور إثني بحت، فإن غالبية أحفاد الآشوريين اليوم هم على الأرجح عرب أو متعرّبون مسلمون، ولا سيما في منطقة الموصل.
وتزداد تعقيدات وضعنا بسبب تداخل هذا النقاش الهوياتي مع تسميات كنائسنا. ففي غياب شعب يملك سلطة سياسية على إقليم محدد، ملأت الكنائس هذا الفراغ، وأسهمت في تعريف الهوية الإثنية والجماعية بدلًا من السلطة العامة أو المدنية، كما هو الحال في معظم الأمم. وهكذا، فإن كنيستنا التي كانت تُعرف أصلًا باسم كنيسة المشرق، انقسمت تدريجيًا، وللأسف، إلى عدة كنائس حملت أسماء حضارات سبقت المسيحية نفسها. وهذا أمر يكاد يكون متناقضًا. ومن وجهة نظري، كان الأجدر أن تُسمّى الكنيسة الآشورية وكنيسة الكلدان على التوالي كنيسة المشرق والكنيسة الكاثوليكية المشرقية، وهي تسميات أدق لماهيتهما الحقيقية، وتسمح في الوقت نفسه بالفصل الواضح بين النقاش الديني ومسألة الهوية. كما أن هذا الفهم يساعدنا على وضع خطابات رجال الدين في إطارها الصحيح. فهم ليسوا قادة جماعتنا، بل رعاة إيماننا. ومن الضروري الفصل بين الخطاب الديني والتحليل التاريخي، من دون الانزلاق إلى ردود فعل انفعالية لا تخدم قضيتنا.
بعد توضيح ذلك، يجب أن ندرك أن الانقسامات الدينية ليست سوى جزء من الاختلافات التي تشكّل جماعتنا. فلدينا سكان السهول وسكان الجبال، وسكان المدن وآخرون من الأرياف. لدينا عدد كبير من القرى ولهجات متعددة، يُقدّر عددها بنحو مئة وخمسين، بحسب المقياس الذي نحدده للتمييز بين اللهجة واللغة المستقلة. ومسألة المقياس هذه بالغة الأهمية. فعلى سبيل المثال، يمكن التمييز بين عائلات كبرى داخل جماعتنا، مثل الغربيين المعروفين بالمعروايا والشرقيين المعروفين بالمَدْنْحايا، الذين يُشار إليهم أحيانًا بالسريان أو السوريويو من جهة، وبالآشوريين الكلدانيين أو السورايا من جهة أخرى. كما أن جزءًا معتبرًا من جماعتنا قد تعرّب، وبالنسبة لهؤلاء، فإن الانتماء إلى جماعتنا يرتبط أكثر بالدين والأرض منه باللغة، وهذا أمر طبيعي ومقبول. ومرة أخرى، لا نتحدث هنا عن انقسامات، بل عن فروق دقيقة.
وإلى جانب هذا التنوع الأصلي، نشأت أشكال جديدة من التنوع عبر الزمن، ولا سيما منذ القرن الماضي. فقد أدّت الهجرة إلى ظهور فروع فرعية داخل جماعتنا المتنوعة أصلًا. وتكوّنت هويات خاصة في الشتات، مثل أبناء تللسقف في ديترويت، وأبناء أورمية في كاليفورنيا، وأبناء عنكاوا في إسكيلستونا. كل واحدة من هذه الجماعات تشكّلت بفعل هويتها الأصلية من جهة، وبفعل المسارات الفردية والجماعية في لحظة زمنية وسياق معين من جهة أخرى. وفي بعض الحالات، عززت هذه المسارات عناصر محددة من الهوية، مثل القومية الآشورية في الولايات المتحدة، أو الهوية الكلدانية في ميشيغان، أو مزيج من الثقافات الأوروبية أو الأسترالية في أماكن أخرى.
فهل يعني ذلك أننا منقسمون؟ ربما. لكن هذا ليس مشكلة على الإطلاق. بل على العكس، إنه مصدر ثراء استثنائي. ما نراه ليس انقسامًا، بل تنوعًا. لدينا ميل تبسيطي إلى الرغبة في أن تظهر جماعتنا بوجه واحد، وهوية واحدة، وآراء سياسية متشابهة. وهذا أمر غير منطقي. فلا يمكن لأمة ذات مصداقية أن تقوم إلا على قبول التنوع في الآراء والهويات داخلها. وعندما نبسّط النقاش الهوياتي بشكل مفرط، فإننا نتجاهل عنصرًا أساسيًا في الإنسان المعاصر، وهو حرية الاختيار. كما ننسى أن كل هذه التسميات والانتماءات المتعددة قد تشكّلت عبر التاريخ الداخلي لجماعتنا والعوامل الخارجية التي أثّرت فيها على مدى قرون.
وعليه، هناك نقطتان أساسيتان يجب فهمهما. الأولى، أن كل هذه الفروق ليست انقسامات، بل تنوعًا يشكّل ثروة ينبغي تثمينها لا محاربتها. والثانية، أن هذا التنوع لا يتعارض مع كوننا في الواقع جماعة واحدة، نسمّي أنفسنا غالبًا في لغتنا بالسورايا، مع حدود قد تكون غير دقيقة وتسميات متعددة. وهذا هو الأهم. نحن معًا، أغنياء بتنوعنا وتفاصيلنا. وهذه النقاشات ما كانت لتوجد أصلًا لو لم تكن وحدتنا أمرًا بديهيًا، فالجدل لا يكون إلا داخل العائلة، لا مع الغرباء.
لذلك، لا ننسى أن مجرد تحوّل دلالي بسيط يمنحنا مقاربة مختلفة تمامًا لوضعنا. هذه الدقة ليست تفصيلًا ثانويًا، بل شرطًا حيويًا لبقائنا. فنحن اليوم قلة في الشرق الأوسط، وهويتنا تتلاشى طبيعيًا عبر الأجيال في المهجر. وإذا بذلنا جهدًا حقيقيًا في الحوار وقبول تنوعنا، فسنكون قادرين على الاستمرار والنمو. وأنا هنا أخاطب ضمائركم وإحساسكم بالمسؤولية.
