هكذا يمكن معالجة مشكلة الدعارة في عنكاوا
2/17/20261 دقيقة قراءة


انتشار الدعارة أصاب أربيل تدريجيًا منذ سنوات الألفين، وظهر بشكل أكبر في عنكاوا، حيث توجد كثافة غير طبيعية لهذه الأماكن غير الأخلاقية داخل منطقة عُرفت تاريخيًا بأنها سكنية وعائلية وقديمة. من الممكن مواجهة هذه الظاهرة، لكن ذلك يتطلب أولًا فهم جذورها، ثم تحليلًا واقعيًا للأدوات المتاحة اليوم، وأخيرًا إرادة سياسية قوية من صناع القرار المحليين مدعومة من المجتمع المدني. ومن المهم أيضًا التوضيح أن هذه المقاربة لا تستهدف العاملات في مجال الدعارة أنفسهن، فهن غالبًا ضحايا الفقر، وفي بعض الحالات ضحايا الاتجار بالبشر. الضرر الحقيقي يأتي من الاضطرابات التي يسببها زبائن هذه الأنشطة، والتي تؤثر بشدة على الحياة اليومية لسكان المدينة.
اليوم تنتشر الدعارة عبر أنواع متعددة من الأماكن، تشمل عشرات الفنادق، وصالونات التجميل والتدليك، والمقاهي، والنوادي الليلية، والحانات. وبعض الأماكن تجمع أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. فقد يعمل المكان الواحد كمقهى ونادٍ ليلي في آن واحد، كما هو الحال في أحد المواقع داخل الحي القديم لعنكاوا، أو كنادٍ ليلي وفندق معًا، كما يحدث في العديد من الاماكن على شارع السايدين. في المجموع، يوجد نحو خمسين مكانًا تزعزع هدوء المدينة، وتجذب آلاف الزبائن يوميًا، وتُحدث تلوثًا ضوضائيًا، ومخاطر أمنية، ومضايقات مستمرة للنساء والفتيات المحليات. وبالنسبة لكثير من الزبائن، تحولت عنكاوا عمليًا إلى مساحة واسعة للترفيه فقط، أشبه بما يُعرف منطقة الضوء الأحمر في أمستردام. كل ليلة، يتسبب هؤلاء الزبائن في ازدحام مروري، وفوضى في الطرق، وحالات عنف بين أشخاص في حالة سُكر، أحيانًا مع وجود أسلحة، فضلًا عن انتشار تعاطي المخدرات، وهو أمر غريب عن مجتمعنا. لم يعد الأطفال في أمان، ولم يعد السكان قادرين على التنقل سيرًا على الأقدام بحرية.
يعتقد كثيرون أن إغلاق هذه الاماكن سيعيد الهدوء سريعًا. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، وجزء من المسؤولية يقع داخل مجتمعنا نفسه. فقد قام بعض الاشخاص من عنكاوا أو من القرى الآشورية الكلدانية المجاورة بتحويل أراضيهم إلى فنادق بدلًا من مساكن، أو قاموا بتأجير ممتلكاتهم لأشخاص مرتبطين بالدعارة بدلًا من عائلات، أو وسّعوا أنشطتهم التجارية لتشمل أعمالًا غير أخلاقية بهدف زيادة الأرباح. ومنذ سنوات الألفين، قام البعض من رؤساء الوحدات الأدارية من مجتمعنا ذاته بمنح تراخيص لفتح نوادٍ ليلية وصالونات تدليك وبيع الكحول، أحيانًا مقابل حصص في المشاريع أو رشاوى. إن السعي وراء الربح بعد ثلاثة عشر عامًا من الحصار، إلى جانب ضعف القيم الأخلاقية لدى قلة من الأفراد، قاد إلى الوضع الذي نعيشه اليوم.
تكمن الصعوبة في أن كثيرًا من هذه الاماكن تعمل الآن ضمن إطار قانوني مسجّل، وتمتلك تراخيص تشغيل سارية. لذلك يبرز السؤال حول كيفية إغلاقها، أو على الأقل تقليص نشاطها بشكل كبير. ومن وجهة نظري، هناك ثلاثة وسائل استراتيجية يمكن استخدامها بفعالية، وهي التطبيق الصارم للقوانين القائمة، وحملات التوعية وتعبئة الرأي العام، واتخاذ قرارات محلية إضافية تقلل من جاذبية عنكاوا لهذه الأنشطة وزبائنها.
استخدام الأدوات القانونية القائمة لتقليص قدرة أماكن الدعارة على العمل
أولًا، يوفر القانون العراقي والإطار القانوني المعمول به في إقليم كردستان بالفعل آليات لفرض قيود على هذه المؤسسات. فالقانون رقم 8 لسنة 1988، المعدّل عام 2024، يحظر الدعارة بشكل صارم، ويتيح ملاحقة العاملات والوسطاء والزبائن. ورغم صعوبة تطبيق هذا القانون عمليًا في بعض الحالات، إلا أنه يمكن استخدامه للضغط على أصحاب هذه المؤسسات من خلال فتح تحقيقات قضائية متعددة ضدهم. ويمكن لبلدية عنكاوا او اي جهة معنوية اخرى أن تكون جهة مدعية في هذه القضايا. وسيسمح هذا القانون بإجراء تحقيقات خاصة ضد الأماكن الأكثر سرية، مثل الفنادق الرخيصة أو صالونات التدليك، ومنها تلك الواقعة في الشارع الواقع بين شارع المتنزه وإشارة المرور.
كما يوجد نص قانوني آخر يمكن تطبيقه بصورة أكثر فورية وواقعية، وهو القانون رقم 41 لسنة 2015 الخاص بالسيطرة على الضوضاء، والذي يفرض غرامات مالية وإغلاقات إدارية على المؤسسات التي تسبب إزعاجًا صوتيًا مفرطًا. ويتيح قانون العقوبات العراقي لعام 1969 والقانون البيئي رقم 27 لسنة 2009 أيضًا اتخاذ إجراءات قانونية استنادًا إلى الإخلال بالنظام العام أو تهديد الصحة العامة.
ويكتسب قانون 2015 أهمية خاصة لأنه يحدد حدودًا دقيقة لمستويات الضوضاء تقاس بالديسيبل. فالمستوى المسموح به في الفنادق هو خمسون ديسيبل نهارًا وأربعون ليلًا. وفي عنكاوا، تستضيف عشرات الفنادق ما يُسمّى حفلات، وهي في الواقع فضاءات للقاءات الدعارة، حيث تتجاوز مستويات الضوضاء غالبًا مئة ديسيبل، بل تصل أحيانًا إلى مئة وعشرين. وهذه مستويات غير قانونية وخطرة على الصحة. إن تطبيق هذا القانون سيسمح بمعاقبة هذه الفنادق بشكل منهجي، لأنها تعمل عمليًا كنوادٍ ليلية ضخمة بدلًا من أماكن للإقامة. ومن خلال مراقبة مستويات الضوضاء بصرامة وفرض العقوبات بشكل منتظم، ستتراجع جاذبية هذه الأماكن تلقائيًا لدى زبائنها.
وسيسهم هذا النهج في تقليل الاضطرابات في مختلف أحياء عنكاوا، مع تجنب اللجوء إلى إجراءات إدارية طويلة وغير فعّالة للإغلاق. وبصورة عملية، سيُطلب من الفنادق أن تكون فنادق فعلًا، أي أماكن للراحة والهدوء. ومن المتوقع أن يكون أثر هذا الأسلوب كبيرًا وسريعًا.
تنفيذ حملات توعية على مستوى المدينة
يجب أن تكون الرسالة واضحة وحازمة: زبائن الدعارة غير مرحّب بهم في مدينتنا. ويمكن للبلدية استخدام اللوحات الإعلانية لنشر هذا الموقف، إلى جانب توزيع مواد توعوية تركز على الحفاظ على السكينة العامة، وعلى الإرث المسيحي لعنكاوا، وعلى حقيقة الاستغلال الجنسي للنساء. ويمكن التفكير في تنظيم تظاهرات شعبية، لكن هذا النوع من الأنشطة غالبًا ما يُسيّس ويُستخدم من قبل أطراف مختلفة. لذلك يجب إبقاء الموضوع ضمن إطار النظام العام وحماية النسيج الاجتماعي. ويمكن للمجتمع المدني المساهمة عبر حملات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك من خلال نشاطات توعوية موجهة لسائقي السيارات الداخلين إلى المدينة.
اتخاذ قرارات محلية إضافية لتقليل جاذبية عنكاوا لهذه الأنشطة
أظهر قرار اتخذته البلدية قبل نحو عام إمكانية فعالية الإجراءات المحلية. فقد فُرض حينها إغلاق جميع المؤسسات عند الساعة الثالثة صباحًا، واضطرت النوادي الليلية والمواقع المرتبطة بهذه الأنشطة إلى الالتزام بذلك. وقد أدى ذلك إلى نمط واضح، حيث يحدث ازدحام مروري كبير عند وقت الإغلاق، يعقبه هدوء نسبي لبقية الليل. ويمكن تعزيز هذا الإجراء عبر تقليص ساعات الإغلاق أكثر، مثل فرض الإغلاق عند الساعة الثانية صباحًا، أو حتى أبكر بالنسبة للفنادق حيث تتركز الدعارة بشكل أكبر. ومن شأن هذه القيود أن تقلل جاذبية عنكاوا لمثل هذه الأنشطة، وتدفعها نحو مناطق غير سكنية خارج المدينة. فالهدف من هذه الحملات لا يمكن ان يكون القضاء على هذه الانشطة بالكامل، لأن هذا أمر غير واقعي، بل ضمان بألا يكون موجودًا بين بيوتنا ومدارسنا وعائلاتنا.
إن أهمية هذه القضية عميقة بقدر أسبابها. فهي تتعلق ببقاء منطقة سكنية تاريخية عمرها قرون، وبحماية سكينة و هدوء سكانها، وبالحفاظ على ملاذ للكلدان السريان الشوريين يحمل قيمهم المسيحية وتقاليدهم العريقة.
وعليه، تقع على عاتق صناع القرار المحليين مسؤولية عاجلة. إن عدم معالجة هذه المشكلة اليوم سيعني فعليًا نهاية عنكاوا كمركز تاريخي لتراثنا الثقافي والديني. وإذا لم يُواجه هذا الوضع سريعًا، فسيدفع ذلك مزيدًا من السكان إلى الهجرة، لأن هذا الملاذ لن يبقى وطنهم، بل سيتحول إلى مجرد مساحة للترفيه لرجال من مختلف أنحاء البلاد.
صورة لرجل سكران ملقى على الأرض خارج مكان للدعارة في عنكاوا، 2023
