الحفاظ على حيّ القنصلية في عنكاوا واجب أخلاقي

12/18/20251 دقيقة قراءة

بينما تستعدّ القنصلية الأمريكية للانتقال إلى مجمّعها الجديد الذي شُيّد من الصفر، والذي يُقدَّر أن تكلفته قاربت مليار دولار، على طريق شقلاوة، فإن جزءًا تاريخيًا كاملًا من عنكاوا يستعد للظهور مجددًا أمام الرأي العام. هذه المنطقة، التي حُفظت بعيدًا عن موجات البناء الحديثة، تمثّل نسيجًا عمرانيًا نادرًا يجب حمايته خلال الأشهر والسنوات المقبلة.

منذ مطلع سنوات الألفين، بدأت القنصلية الأمريكية في إقليم كردستان العراق، إلى جانب جهات أمريكية أخرى مرتبطة بها، بالاستقرار تدريجيًا في الجزء الجنوبي من عنكاوا. ويُرجّح أن هذا الحي كان يُنظر إليه على أنه مهم واستراتيجي، نظرًا لطابعه السكاني المسيحي وقربه من المطار. ومع مرور الوقت، قامت الجهات الأمريكية باستئجار منزل تلو الآخر في هذا الحي، إلى أن تم تطويقه لاحقًا بجدران خرسانية ضخمة لأغراض أمنية. وهكذا نشأت قلعة أمريكية صغيرة في قلب قريتنا الأصيلة. وبعد ذلك، وعلى إثر الهجوم الذي وقع عام 2015 قرب مقهى O’Caffe، أُغلِق الشارع الرئيسي لعنكاوا، الذي كان يؤدي مباشرة إلى أربيل، إغلاقًا كاملًا أمام حركة المرور.

يحمل هذا الحي قيمة خاصة للعديد من السكان الأصليين لعنكاوا، ولي شخصيًا أيضًا. أتذكر رحلاتنا في سنوات الألفين، عندما كنت مراهقًا، حيث كنا نزور العائلة خلال فصل الصيف، وكان عدد كبير من الأقارب يقيمون في هذا الحي. هناك تشكّلت أولى ذكرياتي عن عنكاوا. كانت البيوت كبيرة، وكذلك الحدائق. وكانت مساحات الأراضي تتراوح غالبًا بين أربعمئة وألف متر مربع، وهي مساحات مريحة جدًا. كان الجيران يعرفون بعضهم بعضًا، ولم تكن السيارات تمر في الشوارع إلا من قِبل سكان الحي أنفسهم.

في الوقت نفسه، شهدت مدينة عنكاوا، مثلها مثل أربيل، تحولات عميقة، ولكن غالبًا بصورة أكثر فوضوية. فبعد انتهاء الحصار، ارتفعت أسعار الأراضي والمنازل بشكل حاد، وأصبح سوق العقارات غير عقلاني إلى حد بعيد، إلى أن جاءت أحداث عام 2014 مع ظهور ما يُسمّى بتنظيم الدولة الإسلامية، لتقلب المشهد من جديد.

عمليًا، تم هدم العديد من البيوت العائلية الكبيرة واستُبدلت بمنازل صغيرة متلاصقة مخصّصة للإيجار. كما شُيّدت مبانٍ كثيرة، غالبًا بأحجام مبالغ فيها، وبعضها احتوى أنشطة غير أخلاقية. والأهم من ذلك، تم التخلي عن الطراز المعماري الشرقي التقليدي، الذي تشكّل عبر أجيال من التكيّف مع القيود البيئية، لصالح أبنية بسيطة ضعيفة العزل، منخفضة التكلفة، غير مستدامة، وقبيحة من الناحية الجمالية.

نتائج هذه الظواهر واضحة. فقد ارتفعت الكثافة السكانية في عنكاوا إلى ما يفوق قدرتها على الاستيعاب. وضاعت الهوية المعمارية إلى حد كبير. وغالبًا ما لم تُحترم قواعد التخطيط العمراني، وأصبحت الأرصفة غير صالحة للاستخدام بسبب التعديات غير القانونية. كما أن العدد المفرط من المحال التجارية والمطاعم بات يجذب يوميًا عددًا من الزوار من خارج المدينة يفوق عدد سكانها أنفسهم.

وسط هذا الاضطراب العمراني، سيعود سكان عنكاوا إلى هذا الحي بعد مغادرة المستأجرين الأمريكيين. وسيجدون مساحة تبدو وكأنها متوقفة في الزمن، تضم البيوت العائلية الكبيرة نفسها التي شُيّدت في القرن الماضي. وغالبًا ما تكون هذه الأبنية ذات جودة عالية، وبعضها مبني بالطابوق. ويمثّل هذا الحي أيضًا مرحلة مفصلية في تطور العمران والعمارة المحلية، إذ كان من أوائل المناطق التي شهدت بناء مساكن دائمة بعد قرون من العيش في بيوت طينية. كما تزامنت تلك المرحلة مع تحوّل في الأنشطة المهنية، حيث تراجع العمل الزراعي لصالح الوظائف في الصناعة والخدمات.

إنني أوجّه هنا نداءً إلى الضمير الجماعي. علينا جميعًا أن نعمل معًا من أجل الحفاظ على هذا الحي. فهو يمثّل آخر رمز لعنكاوا مزدهرة ومسالمة، مدينة محبوبة من سكانها ومحميّة من أماكن الدعارة وغيرها من الأنشطة التي تضر بالمجتمع المحلي. وبالطبع، سيواجه كل مالك عقار اعتبارات اقتصادية وعائلية خاصة عند اتخاذ القرار بشأن ما سيفعله بمنزله بعد رحيل الأمريكيين. غير أنه بعد ما يقارب عشرين عامًا من عائدات إيجارية مرتفعة، يمكننا جميعًا أن نبذل جهدًا لتجنّب بناء عمارات سكنية، وتجنّب تحويل هذه البيوت الجميلة إلى شقق صغيرة، وتجنّب تقسيم الأراضي الواسعة والمفتوحة إلى شارع آخر بلا روح تتكدّس فيه المساكن والسكان.

إن حي القنصلية الأمريكية في عنكاوا ليس مجرد منطقة سكنية. إنه رمز لإمكانية بديلة لعنكاوا، مدينة منسجمة تحترم تاريخها وسكانها. فلنحافظ عليه.