اجانب في وطنهم: تجارة التعليم التي تدمر أجيال المستقبل
5/19/2026


برزت ظاهرة وتفاقمت في إقليم كردستان العراق منذ عام 2003: وهي الانتشار الهائل للمدارس والجامعات الخاصة، التي توصف بأنها دولية، وتعمل بشكل شبه حصري باللغة الإنجليزية، وتفرض رسوماً باهظة للغاية. إنها رفاهية بالنسبة للكثيرين، وضرورة ومصدر راحة للبعض الآخر، لكنها تمثل كارثة على نطاق اجتماعي أوسع.
هناك المئات من هذه المؤسسات المنتشرة في أربيل ودهوك والسليمانية، وهي تستقطب شريحة واسعة من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والعليا. ما الذي يجذب الآباء إليها؟ بنية تحتية أكثر راحة مقارنة بالقطاع العام، وأساليب تدريس تُعد أكثر حداثة، وشعور بالراحة والأمان مرتبط بالانتقاء الاجتماعي، والأهم من ذلك كله، الفخر بامتلاك أطفال يتقنون الإنجليزية بشكل كامل. وبينما تبدو هذه الدوافع مشروعة تماماً لأي والد أو والدة، فمن منا لا يريد الأفضل لطفله؟ فإن التعليم الخاص الناطق بالإنجليزية يدمر قروناً من التقدم الثقافي واللغوي والأدبي، ويعمق في الوقت نفسه مظاهر الفصل الاجتماعي.
جميع المجتمعات المحلية معنية بهذا الأمر: العرب الميسورون المقيمون في إقليم كردستان العراق، والأكراد الذين استفادوا من الطفرة الاقتصادية خلال العقود الأخيرة، والآشوريون الكلدان السريان. الوضع مقلق بالنسبة للعرب والأكراد، لكنه لا يشكل تهديداً لوجودهم، إذ سيظل هناك دائماً ملايين المتحدثين القادرين على الحفاظ على لغاتهم وهوياتهم. أما بالنسبة لمجتمعنا، فإن الاتجاه يبدو أكثر خطورة، لأن نسبة أكبر بكثير من شبابنا تنخرط في هذه المدارس الخاصة، بما يهدد بقاءنا ذاته. فهم ينسون لغتهم الأم، ولا يعودون يتقنون اللغات المحلية الأخرى. وقد أشار نور متي بالفعل إلى هذه المسألة في مقال نشره قبل عامين في The Assyrian Journal: "السيناريو الأكثر احتمالاً هو أن يصبحوا غربيين إلى حد كبير داخل دوائرهم الإنجليزية الصغيرة، فيُدفعون إلى الهجرة إلى الخارج". باختصار، يتحول شبابنا إلى مغتربين داخل وطنهم، بتواطؤ مؤسساتنا وفخر آبائهم.
هنا يجب تكثيف جهود التوعية. ينبغي للآباء أن يفهموا أن التحدث بالإنجليزية أمر إيجابي بلا شك في عالم معولم، لكن تربية أطفال غير قادرين على التعبير عن أفكار دقيقة بلغتهم الأم أو بإحدى اللغات المحلية يعد أمراً غير منطقي. نحن لا نبني مستقبل هؤلاء الطلاب، بل ندمر هويتهم، وندفع ثمناً باهظاً لذلك أيضاً. تتراوح تكلفة المدرسة أو الجامعة الخاصة في المتوسط بين 2000 و10000 دولار سنوياً لكل طالب، أي ما يعادل متوسط راتب سنوي كامل. لوقت طويل، كان آباؤنا يتقنون العديد من اللغات بإتقان: السورث، والعربية، والكردية، والتركمانية في كركوك، وأحياناً الأرمنية أو الفرنسية، وبالطبع مستوى محترماً جداً من الإنجليزية. وهذا أكثر بكثير مما يمتلكه غالبية سكان العالم. فكيف وصلنا إلى هذا العبث؟
في رأيي، يمكن تفسير هذه الظاهرة بسببين.
أولاً، أدى تراجع الاستثمار في التعليم العام والتعليم العالي إلى تدهور خطير وملموس في جودة التعليم. فالعديد من المدارس والجامعات الحكومية تعاني من ضعف الصيانة، وبعضها يفتقر حتى إلى الشروط الصحية المناسبة، ناهيك عن أزمة الرواتب التي مست الموظفين الحكوميين منذ عام 2014. كما أن إدارة العديد من الجامعات ليست بمستوى المطلوب، حيث نرى أحياناً بعض الإداريين يتحملون عبء عمل قسم كامل، بينما يعجز موظفون آخرون عن استخدام الحاسوب بشكل سليم. يُنظر إلى التعليم الحكومي على أنه متجاوز للزمن، وقديم، وغير قادر على تلبية احتياجات عالم اليوم، لكن هذا التصور في جانب كبير منه غير دقيق ومتحيز لصالح القطاع الخاص.
ثانياً، أدى التحول السريع نحو الثراء لدى جزء من السكان بعد عام 2003، دون أن يرافقه تقدم فكري عميق، إلى خلق نزعة نحو تمجيد ثقافة أجنبية تُعتبر أكثر مكانة وهيبة. لقد استبطنّا نوعاً من الاحتقار للثقافات واللغات المحلية لصالح كل ما هو أجنبي وغربي عموماً، ولصالح اللغة الإنجليزية الأمريكية على وجه الخصوص. كم من الآباء يفتخرون بامتلاك أطفال يتحدثون الإنجليزية بطلاقة؟ وكم منهم يفضل التحدث معهم بإنجليزية متواضعة بدلاً من الآرامية العريقة الممتدة لآلاف السنين، أو الكردية والعربية؟ وبعيداً عن المكانة الاجتماعية المفترضة، فإن التعليم الخاص يتيح لمن يستطيع تحمّل تكاليفه تجنب الاحتكاك بالفئات الاجتماعية الأكثر تواضعاً. وقد وصل الأمر في بعض البيئات، مثل عنكاوا، إلى نشوء ضغط اجتماعي قوي لفرض التعليم الخاص الناطق بالإنجليزية بدلاً من التعليم المحلي. وحتى المدارس التابعة لكنائسنا أنشأت هذه المؤسسات، التي قد تكون ذات جودة عالية، لكنها تعتمد الإنجليزية حصراً تقريباً، في حين تكاد لغتنا الخاصة لا تُدرّس فيها. إن آباء جيل الألفية يربون جيل ألفا داخل عالم سيصبحون فيه غرباء في وطنهم. وستصبح تطلعاتهم وآفاقهم المهنية منفصلة عن واقع سوق العمل العراقي. فما الذي يمكن أن يفعله صاحب عمل مع شاب موهوب ويتحدث الإنجليزية بإتقان، لكنه عاجز عن التواصل مع بعض زملائه أو زبائنه؟
وتزداد هذه الحالة عبثية إذا علمنا أن المجتمعات الرئيسية المتأثرة، أي الأكراد والآشوريين-الكلدان، هي نفسها المجتمعات التي ناضلت لقرون من أجل مقاومة الهيمنة الثقافية لجيرانها. وبدلاً من ذلك، نحن نجبر أبناءنا على فقدان قدرتهم على التحدث بلغاتهم المحلية بإتقان، وحتى الإنجليزية التي يتقنونها لن تكون في الغالب بمستوى المتحدث الأصلي بها. لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد لدى الكثير من الشباب لغة يفضلونها ويستطيعون أن يكتبوا بها رسالة متقنة أو يقرأوا كتاباً براحة كاملة.
إن القضية أخطر بكثير مما تبدو عليه. بالنسبة لمجتمعنا، فإن ما هو على المحك هو بقاء جماعة بشرية تتحدث السورث كلغة يومية وعلمية، في وقت تشكل فيه هجرة أغلبنا تهديداً وجودياً للغتنا وثقافتنا. وعلى نطاق أوسع، نحن ندفع أبناءنا إلى عالم معولم ليس عبر الإثراء المتبادل، بل عبر فقدان الهوية واحتقار الذات. وبسبب الأسعار المبالغ فيها لهذه المدارس، إلى جانب نمط الحياة الاستهلاكي، لم نعد حتى قادرين على إنجاب أكثر من طفلين في الأسرة الواحدة. نحن ندعم نظاماً للفصل الاجتماعي بدلاً من التعايش الوطني. ونصنع جيلاً كاملاً شديد التأثر بثقافة خارجية عن ثقافتنا، وبالتالي قابلاً للتوجيه والتلاعب بشكل كامل.
لقد أصبح التحرك أمراً ملحاً، وعلى كل شخص أن يتحمل مسؤوليته وفق موقعه.
• على مستوى مجتمعنا، يجب أن نستعيد وعينا بأهمية الحفاظ على لغتنا الحية باعتبارها هوية وثروة فكرية وإرثاً مشتركاً، لا مجرد عنصر فولكلوري. وينبغي إعادة الاعتبار للمدارس الحكومية التي تعتمد اللغة السريانية بالكامل، رغم جودتها، في وعينا الجماعي. كما يجب أن يكون إتقان العربية والكردية كاملاً، وفي جميع الأحوال لن يكون من الممكن تجاوز أهمية الإنجليزية.
• على مستوى الآباء، يتطلب الأمر أيضاً الانضباط في استخدام لغتنا الأم، التي يجب أن تبقى القاعدة الأساسية المطلقة. علينا أن ندرك الدور الحاسم الذي نؤديه بعد عقود من الهجرة والتأثيرات الإثنية والثقافية القادمة من جيراننا أو من القوى العالمية المهيمنة. ينبغي أن نكون قادرين على إرسال أطفالنا إلى المدارس الحكومية، واستخدام الأموال التي نوفرها للاستثمار في تنميتهم الفنية والرياضية، وفي إبداعهم واكتشافهم للعالم.
• على مستوى صناع القرار السياسي، يجب وضع خطة استثمار فورية في التعليم العام من أجل بناء مستقبل مجتمعاتنا، حيث يتمكن الجميع من الوصول إلى تعليم عالي الجودة، لا أن يقتصر ذلك على نخبة صغيرة استفادت من التدفقات الاقتصادية بعد عام 2003. وإلا فإننا سنواجه قريباً اضطرابات من أولئك الذين تعرضوا للتهميش اقتصادياً وفكرياً لسنوات، بينما يواصل آخرون الازدهار بشكل استعراضي، وأحياناً بطرق تفتقر إلى الشرعية.
• ينبغي لكنائسنا أن تدرك واجبها المجتمعي إلى جانب سلطتها الدينية. فهي فاعل رئيسي وشرعي لا يمكن إنكاره في جزء كبير من القضايا المرتبطة بمجتمعنا. لذلك، يجب أن تتضمن المدارس التابعة للكنائس مساحة كبيرة للتعليم باللغة السريانية، لأنها الحارسة لتراثنا الثقافي. كما ينبغي أن تضمن إتقاناً كاملاً للغات المحلية الأخرى، لا للإنجليزية وحدها.
إن حالة الاستعجال مطلقة. فكل سنة تمر تعمق الفجوة بين الطبقات الاجتماعية في البلاد، وتخلق أطفالاً معولمين وسهلَي التأثر، وتحول التعليم إلى تجارة بدلاً من أن يبقى واجباً عاماً، وتهدد بقاء اللغات المحلية وازدهارها. على كل فرد أن يتحرك ضمن نطاق مسؤوليته. فالتعليم ليس شعاراً ولا تجارة، بل حق أساسي.
